سيد قطب

2252

في ظلال القرآن

والسياق يعرض هذا المشهد كأنه هو الحاضر الآن ، وكأنما الدنيا التي كانوا فيها قد انطوت صفحتها وصارت ماضيا بعيدا . . وذلك على طريقة القرآن في تجسيم المشاهد وعرضها واقعة حية ، تفعل فعلها في القلوب والمشاعر قبل فوات الأوان . ثم يعود ليجادلهم بالمنطق الواقعي الذي يرونه فيغفلونه . « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ؟ » فأية غرابة في البعث ؛ واللّه خالق هذا الكون الهائل قادر على أن يخلق مثلهم ، فهو قادر إذا على أن يعيدهم أحياء . « وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ » أنظرهم إليه ، وأجلهم إلى موعده « فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً » فكان جزاؤهم عادلا بعد منطق الدلالات ومنطق المشاهدات ، ووضوح الآيات . على أن أولئك الذين يقترحون على الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تلك المقترحات المتعنتة ، من بيوت الزخرف ، وجنات النخيل والأعناب ، والينابيع المتفجرة . . . بخلاء أشحاء حتى لو أن رحمة اللّه قد وكلت إليهم خزائنها لأمسكوا وبخلوا خوفا من نفادها ، ورحمة اللّه لا تنفد ولا تغيض : « قُلْ : لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً » . وهي صورة بالغة للشح ، فإن رحمة اللّه وسعت كل شيء ، ولا يخشى نفادها ولا نقصها . ولكن نفوسهم الشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها ! وعلى أية حال فإن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة . وها هو ذا موسى قد أوتي تسع آيات بينات ثم كذب بها فرعون وملؤه ، فحل بهم الهلاك جميعا . « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ، فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً . قالَ : لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً . فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً . وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ : اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً » . . وهذا المثل من قصة موسى وبني إسرائيل يذكر لتناسقه مع سياق السورة وذكر المسجد الأقصى في أولها وطرف من قصة بني إسرائيل وموسى . وكذلك يعقب عليه بذكر الآخرة والمجيء بفرعون وقومه لمناسبة مشهد القيامة القريب في سياق السورة ومصير المكذبين بالبعث الذي صوره هذا المشهد . والآيات التسع المشار إليها هنا هي اليد البيضاء والعصا وما أخذ اللّه به فرعون وقومه من السنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . . « فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ » فهم شهداء على ما كان بين موسى وفرعون : « فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً » . . فكلمة الحق وتوحيد اللّه والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما يقول ! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني ؛ ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية ! فأما موسى فهو قوي بالحق الذي أرسل به مشرقا منيرا ؛ مطمئن إلى نصرة اللّه له وأخذه للطغاة :